عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

104

معارج التفكر ودقائق التدبر

والمتصرّف بكلّ أمورنا ، لا ربّ غيرك ، ولا إله إلّا أنت ، فنحن لم نتّخذ من المشركين أولياء يعبدوننا من دونك ، ولم نرض بذلك ، فإن زعموا أنّهم كانوا يعبدوننا ونحن راضون بأن نكون أولياء لهم ، فنحن نكذّبهم ، ونعلن أنّك وحدك وليّنا من كلّ من هو غيرهم ، كنّا وما زلنا على هذا . إنّهم في الحقيقة لا يعبدوننا ، ولا يطيعون أوامرنا ، بل كانوا يعبدون الجنّ ، الّذين كانوا في الدّنيا شياطينهم ، الّذين يغرونهم ويغوونهم ، وكان أكثرهم بشياطينهم من الجنّ مؤمنين ، يصدّقونهم فيما يوحون به إليهم من ضلالات ، ويتّبعونهم غاوين . وختم اللّه عزّ وجلّ هذا المشهد بذكر ما يقوله للمشركين وأوليائهم من شياطين الجنّ ، وبالإشارة إلى ما قضى به عليهم من عذاب أبديّ في النّار ، وما يقوله جلّ جلاله لهم ولكلّ الظّالمين المجرمين الخالدين في العذاب : * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 42 ) : أي : يقول اللّه عزّ وجلّ للمشركين ولأوليائهم من شياطين الجنّ : لقد استمتع بعضكم ببعض حين كنتم ممكّنين من ممارسة ما تشاؤون في رحلة امتحانكم في الحياد الدّنيا ، حتّى قضيتم فيها آجالكم المقدّرة المقضيّة لكم ، فاليوم أنتم في حياة الجزاء ، لستم ممكّنين من أن تفعلوا ما تشاؤون ، فلا يملك بعضكم لبعض جلب نفع ولا دفع ضرّ ، وسيلقى كلّ فرد منكم جزاءه بحسب جرمه ، ويكون في الدّركة المناسبة لما سبق أن قدّم في رحلة امتحانه في الحياة الدّنيا من ظلم وبغي وعدوان ، وفجور وإثم وطغيان . ويوجّه اللّه عزّ وجلّ لجميع الظّالمين من دركة الشّرك ، فالدّركات اللّاتي هي أخسّ منها قائلا لهم :